عبد العال سالم مكرم
18
من الدراسات القرآنية
2 - من دراسات المستشرقين حول القرآن الكريم « 1 » التقاء الثقافات بين الأمم المختلفة ظاهرة معروفة سجلها التاريخ في صفحاته الخالدة ، وهذا أمر طبيعي ، لأن الفكر الإنسانى يدور في فلك واحد ، وهو الإنسان نفسه ، من حيث ارتباطه بالحياة ، من حيث حاجياته ومطالبه ، من حيث تقدمه وتطوره ، من حيث نظرته إلى الحياة ، وفهمه لطبيعة الوجود ، من حيث ارتباطه بقوة هي أعظم من قوته ، تسيطر عليه ، وترسم له خطوط رسالته في الحياة . ولمّا فتح المسلمون هذه البلاد المتعدّدة ، باسم العقيدة ، وباسم الإسلام ، لم يبخلوا بثقافتهم الإسلامية على البلاد التي فتحوها ، فقدموا لهم من زادها الفكري ما أنار لهم جوانب الحياة ، فكرا وعقيدة ، سياسة واجتماعا ، أدبا وثقافة ، إصلاحا وتهذيبا . ففي بلاد الأندلس مثلا تحتل الثقافة الإسلامية المكان الأعلى في نفوس أبناء هذه البلاد ، مما هال أحد المفكرين الأسبان ، فكتب يقول : « إن أرباب الفطنة والتذوق - سرهم رنين الأدب العربي ، فاحتقروا اللاتينية ، وجعلوا يكتبون بلغة قاهريهم دون غيرها ، وأنهم يعجبون بشعر العرب ، وأقاصيصهم ويدرسون التصانيف التي كتبها الفلاسفة والفقهاء المسلمون ، ولا يفعلون ذلك لإدحاضها والرد عليها ، بل لاقتباس الأسلوب العربي الفصيح ، فأين اليوم من يقرأ التفاسير الدينية للتوراة والإنجيل غير رجال الدين . إلى أن يقول . . . إن الجيل الناشئ من المسيحيين الأذكياء لا يحسنون أدبا أو لغة غير الأدب العربي واللغة العربية ، وإنهم ليلتهمون كتب العرب ، ويجمعون منها المكتبات بأغلى الأثمان » « 2 » . ومن الأندلس سطع نور الحضارة الإسلامية على أوروبا ، فأنارت أمامها الطريق إلى الحضارة الأوربية التي تمت وتطورت فغزت آفاق الفضاء .
--> ( 1 ) نشر في مجلة الوعي الإسلامي - يونيو سنة - 1970 ، تصدرها وزارة الأوقاف - الكويت . ( 2 ) الإسلام والمستشرقون : الأستاذ زكريا هاشم ص 17 : طبع المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية 1965 م .